محمد متولي الشعراوي
4250
تفسير الشعراوى
و « تولى عنهم » أي تركهم وسار بعيدا عنهم ، وحدثهم متخيلا إياهم لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ ، فكأن المنظر العاطفى الإنسانى حين رأى كيف أصبحوا ، وتعطف عليهم وأسى من أجلهم ، لكن يرد هذا التعاطف متسائلا متعجبا فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ ؟ إنهم نوع من الناس لا يحزن عليهم المؤمن . فما بالنا بنبي ورسول ؟ إنه يحدث نفسه وكأنه يقول : ما قصرت في مهمتى ، بل أبلغتكم رسالاتى التي تلقيتها من اللّه ، والرسالات إذا جمعت فالمقصود منها رسالته ورسالة الرسل السابقين في الأمور التي لم يحدث فيها نسخ ولا تغيير ، أو رسالاته أي في كل أمر بلغ به ؛ لأنه كان كلما نزل عليه حكم يبلغه لهم . أو أن لكل خير رسالة ، ولكل شر رسالة ، وقد أبلغهم كل ما وصله من اللّه ، ولم يقتصر على البلاغ بل أضاف عليه النصح ، والنصح غير البلاغ ، فالبلاغ أن تقول ما وصلك وينتهى الأمر ، و « النصح » هو الإلحاح عليهم في أن يثوبوا إلى رشدهم وأن يتبعوا نهج اللّه . ويقول الحق بعد ذلك : [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 94 ] وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ ( 94 ) وعرفنا من قبل أن القرية هي البلد الجامع لكل مصالح سكانها في دنياهم . والمقصود هنا أن القرية التي يرسل إليها الحق رسولا ثم تكذّب فسبحانه يأخذ أهلها بالبأساء والضراء . والبأساء هي المصيبة تصيب الإنسان في أمر خارج عن ذاته ؛ من مال يضيع ، أو تجارة تبور وتهلك ، أو بيت يهدم ، والضراء هي المصيبة التي تصيب الإنسان في ذاته ونفسه كالمرض ، ويصيبهم الحق بالبأساء والضراء لأنهم نسوا اللّه في الرخاء فأصابهم بالبأساء والضراء لعلهم يرجعون إلى ربهم ويتعرفون إليه ، ليكون معهم في السراء والضراء . والحق يقول :